!! في مستشفى المجانين

صاحب المقال

هشام منصوري

أيقظني صديقي الذي أقتسم معه البيت في الصباح الباكر ليطلب مني أن أرافقه للمستشفى. المسكين يكاد لا يقوى على المشي بعد أن جاءته آلام مفاجئة في جنبه. و ككل مستشفيات المغرب العمومية، قبل أن تستلقي على السرير ليفحصك الطبيب،

http://al7a9i9a.files.wordpress.com/2007/12/ns_mohamed-biadillah_a.jpg

يجب أن تمر بسلسلة من الإجراءات، التي لا أعلم إن كانت إدارية أم أمنية لمحاربة الإرهاب، ماتعرف الوقت آش تجيب. أولا عليك أن تجتاز العساس، ثم تبحث عن السيدة الموجودة في الإستقبال. من الأحسن أن تسأل خادمة النظافة عن اسمها، ثم تطلب من إحدى الفرمليات أن تنادي عليها، هكذا تحسب أنك من معارفها فتهرول للخروج عندك حتى لو كانت في الكابينة. بعدها ستملأ لك ورقة فيها اسمك، وعمرك وما تشكو منه، ثم تطلب منك بطاقة التعريف الوطنية لتسجل رقمها يقلم بيك الأزرق في سجل ثقيل منحوس. في النهاية تمدك بالورقة و تقول لك:” سير طبعها على برا”. و هي الجملة اللبقة التي تعوض “سير خلص 40 درهم على برا”.لذلك لا تذهب أبدا إلى مستشفى عمومي دون أن يرافقك أحد، لأنه لو قدر الله و أغمي عليك، سينتظرون استيقاظك كي تدفع 40 درهم. و المشكلة هي إن لم تستيقظ البتة فمن سيدفعها مكانك يا ترى؟ !!ولجنا المستعجلات أو المستعطلات كما سمتها امرأة غاضبة. الفرملي رجل في الخمسين، أسمر اللون، أحمر العينين، لم نميزه من بين المرضى إلا بفضل لباسه الأخضر.ـ آش بيك؟ـ أخويا فقت هاد الصباح و الجنب ديالي بغايطرطق.ـ الكلاوي هادوك.ـ وايلي؟؟ !!أصبح وجه صديقي شاحبا، فالفرملي قالها نيشان و كأنه لم يدرس شيئا عن علم نفس المريض و تقنيات تبليغ نوعية المرض. فلم يكن ينقص كلامه سوى قليل من شقاوة الأطفال مثل: “قفرتيها غاتموت “.!!!أخذ الفرملي يحضر الحقنة، و أشار إليه بحركة اليد أن يعري عن مؤخرته.ـ أوزعما الكلاوي نيت؟ راه أدكتور هادي هي المرة الأولى كايوقع ليا هادشي.ـ راه هادو هوما الكلاوي، ياك كايجيك حريق تالبول؟تنفس محمد الصعداء:ـ لا لا ماكاينش حريق تاع البول.ـ واخا راه الكلاوي هادوك !! دور و نزل السروال.كاد يضحك وسط الألم، أما أنا فقد فعلتها الله يسمح ليا بعدما أدرت رأسي جهة الحائط. الفرملي كان واضحا:الكلاوي فيك فيك ولو طارت معزة.بعد أسبوع، شاء القدر أن أصاب بدوار كبير و رغبة في التقيؤ، فاتجهت بدوري إلى نفس المستشفى و صادفت فترة عمل نفس الممرض. طلب مني أن أشتري حقنة. سألته أين؟ قال لي عند العساس. خرجت أبحث عنه. فكرت أن أهرب، فربما هذا المستشفى يتوفر على نوع واحد من الحقن تضرب للجميع. وهذا الفرملي ربما لا يقوم سوى بدور تلك الأم التي تطبخ الحجارة في الماء في انتظارأن يغلب النوم أبناءها الجائعين.ربما تكون حقنا فارغة ليس فيها شيء. علاج نفسي بالوخز. فنحن المغاربة جل أمراضنا نفسية، و عندما يطلب منك طبيب أن تعرض نفسك على طبيب نفسي تكاد تشتمه لأنه بالنسبة لنا أن تكون مريضا نفسيا هو أن تتبع الناس في الشارع بالحجارة، أي الحماق، وحاشا أن يكون المغاربة مجانين، فالمجنون يعيشون عالمهم و نحن نعيش عالما من صنع حفنة من رجال الأعمال يسمونه: عالما ” آخر ينادينا”.أحضرت الحقنة، وخشاها فيا. طبعا تتساءلون فين. في المغرب كل الحقن توضع في الخلف، الحرارة تقاس من الخلف و الدواء قويلبات من الخلف، كولشي اللور . قبل أن يغرز الإبرة في مقلة مؤخرتي قلت له:ـ ياك ديال الدوخة ماشي الكلاوي؟ضحك ضحكة شريرة و قال:ـ كي بقى صاحبك؟قلت له أنه كاد يموت ذلك اليوم. وشرح لي بأدب أن ذلك مفعول الحقنة وهو أمر عادي. حكى لي أنه حدث له نفس الشيء في منطقة نائية و كاد يقضى عليه.فيما بعد سأتردد كثيرا على هذا المستشفى لأغراض مختلفة لأرى الضغط الكبير الذي يعمل تحته هؤلاء الجنود و بأدنى الوسائل. وقفت أيضا على كفاءة أطرنا ومنهم صديقنا الفرملي صاحب الحقنة الوحيدة. فبعد الفحوصات الكثيرة التي أجراها صديقي من أشعة و تحاليل، و الأدوية الكثيرة تمكن من إخراج حجرة صغيرة مع بوله. ففهمت أن أطباءنا لم يعودوا يحتاجون إلى التجهيزات، لأن أغلب الأمراض أصيب بها أقرباءهم أو هم أنفسهم لذلك أصبحوا يحفظون المجتمع و أمراضه عن ظهر قلب. …أنا أيضا زالت عني اثار الدوار و الغثيان اللذان كنت أشعر بهما.غير أنه تذكرت أنني كنت أركض عندما أحضرت الشوكة من عند العساس. كم أنا غبي، لقد شفيت قبل الحقنة. نعم فمجرد زيارتك مستشفى و رؤيتك للبناء الذي سقط من الطابق الثاني، و الشاب الذي طعن بسكين، و المرأة التي تختنق و لا تجد ما تتنفسه، عندما ترى كل هؤلاء في غرفة الانتظار تفهم أنك مريض فعلا لوجودك هنا.

رد واحد إلى “!! في مستشفى المجانين”

  1. zouhirzfp يقول:

    كل هده الانتقادات في مجالنا الصحي التي يهدف من ورائها اطاحة معنويات المغاربة ستاول بالفشل فمن بيته من زجاج لايضرب الناس بالحجارة.و سيريكم المغرب نفسه قريبا ايها الزنادقة.


اترك رد