مقارنة بين مملكتين لا تتشابهان

المملكة المغربية قريبة جدا من المملكة الاسبانية ، ولا يفصل بينهما سوى أقل من أربعة عشر كيلومترا من مياه المحيط الأطلسي . ورغم أن المملكة الاسبانية قريبة منا جغرافيا ، إلا أنها بعيدة عنا بملايين السنوات الضوئية في مجال الديمقراطية والتنمية الاجتماعية وحقوق الإنسان وغيرها من المجالات الحيوية .
بين المملكة المغربية والمملكة الاسبانية قواسم مشتركة ، لكنهما مع ذلك لا تتشابهان ! فإسبانيا تشبه جنة فوق الأرض الأوروبية ، بينما تشبه المملكة المغربية جحيما فوق الأرض الإفريقية ! لذلك يرمي المغاربة بأنفسهم في البحر ، فهم يفضلون الموت غرقا في مياه المحيط الباردة على أن يحترقوا على مهل بنيران الجحيم المغربي !
الاسبان لديهم حكومة منتخبة بشكل شرعي ، يرأسها الاشتراكي الوسيم زباثيرو ، ونحن أيضا لدينا حكومة تتشكل من أربعة وثلاثين وزيرا ووزيرة ، يرأسها الشيخ عباس الفاسي ، الفرق الوحيد بين حكومتنا وحكومة الاسبان هو أن رجال حكومة مدريد هم الذين يسيرون شؤون اسبانيا ، بينما رجال حكومة الرباط لا يسيرون سوى شؤونهم الخاصة ، تاركين لملك البلاد مهمة تسيير كل شيء ، وفي نهاية كل شهر تدفع لهم الخزينة العامة للملكة سبعة ملايين سنتيم لكل واحد منهم كأجرة شهرية ، إضافة بطبيعة الحال إلى التعويضات التي لا تنتهي .
اسبانيا لديها برلمان يسمونه “الكورتيس” ، يعرف نقاشات جدية بين النواب وأعضاء الحكومة ، ونحن أيضا لدينا برلمان بغرفتين ، واحدة للنواب والثانية للمستشارين ، ولدينا خمسمائة وعشرين نائبا برلمانيا ، ثلاثون في المائة منهم نساء والباقي من الرجال ، كل واحد منهم يأخذ أربعة ملايين على رأس كل شهر ، إضافة إلى تعويضات كثيرة : تعويضات السفر ، تعويضات المرض ، تعويضات التنقل ، وربما يأخذون التعويضات حتى عن الدقائق التي يقضونها في المرحاض !
نواب البرلمان الاسباني يملؤون مقاعد برلمانهم عن آخرها في كل جلسة ، ويخلقون نقاشات جادة ويدافعون عن مصالح الشعب باستماتة ، بينما النواب المغاربة لا يحضرون إلى مجلسهم الموقر إلا يوم الجمعة الثاني من شهر أكتوبر من كل سنة ، أي عندما يأتي الملك لافتتاح السنة التشريعية ، وبعد ذلك ينصرفون لتسيير مشاريعهم الخاصة ، ولتذهب قضايا الوطن والمواطنين إلى الجحيم .
في اسبانيا تجرى انتخابات تشريعية وبلدية كل ست سنوات ، وفي المغرب أيضا يتم إجراء انتخابات جماعية وتشريعية كل سبع سنوات ، الفرق الوحيد بين انتخابات المغاربة وانتخابات الاسبان هو أن النتائج النهائية للانتخابات الاسبانية لا تعرف إلا بعد فرز أصوات الناخبين ، بينما تكون نتائج الانتخابات المغربية مجهزة في مطبخ وزارة الداخلية قبل بدء الاقتراع بأشهر كثيرة !
المغاربة ذاقوا مرارة الاضطهاد المخزني القبيح طيلة أربعين عاما كاملة على يد زبانية العهد السابق ، وما زال القمع لحدود اليوم مستمرا .
الاسبان أيضا أكلوا وشربوا من الاضطهاد والقمع على يد زبانية الجنرال فرانكو إلى حد الثمالة ، وعندما فكرت الدولة الاسبانية في تعويض أبنائها عن كل العذاب الذي تعرضوا له أثناء سنوات الجمر والرصاص التي ذاقوا فيها أبشع أنواع الظلم ، وجدت أن الحل الوحيد لنسيان ما مضى هو إقرار الديمقراطية الحقيقية على أرض الواقع ، والرقي بالوضع الاجتماعي للمواطنين ، حيث تحولت اسبانيا في ظرف سنوات قليلة جدا إلى دولة ديمقراطية قوية ، لها مكانتها بين دول العالم الكبرى ، وهكذا استطاعت الدولة الاسبانية أن تنسي شعبها كل مآسي الماضي ، وأصبحت عيون الشعب الاسباني لا تنظر سوى إلى المستقبل ، ولم يعد أحد يلتفت إلى الماضي المرعب .
الدولة المغربية بدورها أرادت أن تطوي صفحة ماضيها الرهيب مع قدوم ما يسمى ب “العهد الجديد” ، لكنها مع الأسف فشلت في ذلك ، ربما لأن نيتها لم تكن صافية بما فيه الكفاية !
المشكل هو أن الدولة المغربية عوض أن تسلك نفس الطريق الذي سلكته اسبانيا لمعالجة جراح الماضي ، فضلت التعامل مع الموضوع بطريقتها الخاصة ، وهكذا عوض أن تنشئ المعامل والمصانع والمدارس والمستشفيات ، أنشأت لجنة للاستماع إلى ضحايا سنوات الرصاص وهم يحكون بعيون دامعة وأطراف مرتجفة قصصهم الأليمة التي عاشوها في جحيم تازمامارت ودرب مولاي الشريف ودار المقري … طيلة سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات ، لكن دون أن يسمح لهم حتى بذكر أسماء الجلادين الذين أذاقوهم جميع أشكال وأنواع العذاب ، وهكذا عوض أن ينسى المغاربة ما حدث في الماضي الرهيب عادت بهم الذاكرة ثلاثين عاما إلى الوراء . عوض أن يفكر الناس في المستقبل الجميل رجعوا للتفكير في الماضي القبيح! وهذه هي المشكلة الكبرى التي يعاني منها المسؤولون المغاربة ، عندما يتكلفون بإصلاح شيء ما يفسدونه . مايد إن موروكو وخلاص !
هكذا إذن هي اسبانيا ، وهكذا هو المغرب ، بينهما قواسم مشتركة في الماضي والحاضر ، لكن يفصل بينهما ما يفصل بين السماء والأرض !
اسبانيا تتقدم بسرعة الضوء إلى الأمام في سباق محموم مع الدول العظمى ، بينما المغرب لا يتقدم إلى الأمام ولا يرتد إلى الخلف ، يخطو خطوة إلى الأمام ، ثم يرجع خطوة إلى الوراء ، وهذا معناه أن المغرب يريد أن يلتحق بالدول المتقدمة ، لكن في الوقت نفسه يشده الحنين للبقاء مع الدول المتخلفة . يريد أن يلحق بفرنسا واسبانيا ، ولكنه ما سخاش يتفارق مع إثيوبيا وليبيريا !

المغرب يحتل المرتبة الأخيرة على صعيد التعليم

احتل المغرب المرتبة الأخيرة بين دول المغرب العربي على الصعيد التربوي وفق دراسات دولية نشرت أخيرا وتعترف الحكومة بمضمونها إلى حد بعيد في وقت يسعى فيه هذا البلد إلى تحقيق تنمية مستدامة.

واقر مزيان بلفقيه مستشار العاهل المغربي محمد السادس والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للتعليم أخيرا “وضعنا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المرتبة 126 من أصل 177 بلدا على صعيد التنمية البشرية والتعليم المدرسي هو سبب هذا التصنيف”، وتابع “إننا نخسر عمليا ثلث تلاميذنا مع كل مرحلة دراسية (..) على طول المسار الدراسي من المدرسة الابتدائية الى الجامعة”.

وصنف تلامذة المدارس الابتدائية في المغرب في المرتبة الأخيرة في العلوم والقراءة وقد اثبت البرنامج الدولي لقياس مدى تقدم القراءة في مدارس العالم (بيرلز) ومقره كيبيك في كندا أن أداءهم تراجع عام 2006 عما كان عليه قبل خمس سنوات ،وبالمقارنة مع الدول المجاورة يبدو المغرب في موقع التلميذ البليد وقد دعت منظمة اليونسكو الرباط الى “تغيير جذري في سياستها لضمان التعليم للجميع عام 2015″ خلال اجتماع عقد اخيرا في تونس.

وقال بلفقيه “ان النفقات التي يكلفها التلميذ مغربي تبلغ 525 دولارا في السنة مقابل 700 في الجزائر وأكثر من 1300 في تونس”.

والجزائر وتونس هما الدولتان الوحيدتان في المغرب العربي اللتان يتوقع أن تحققا أهداف الأمم المتحدة التي تتضمن إلى جانب توفير التعليم للجميع عام 2015 محو الأمية بمعدل النصف وضمان نوعية تعليم أفضل والمساواة بين الذكور والإناث في التعليم.

وقال الأستاذ الجامعي محمد ضريف لوكالة فرانس برس “إن تاريخ نظام التعليم منذ الاستقلال هو تاريخ أزمة. فكل عقد تظهر إصلاحات جديدة غير انه لم يتم حتى الآن وضع أي إستراتيجية فاعلة ودقيقة التحديد”.

من جهته قال وزير التربية احمد اخشيشين “إننا البلد الوحيد في العالم الذي لا يملك نظاما لتقييم التحصيل الدراسي”.

ونددت صحيفة “ليكونوميست” المقربة من أوساط الأعمال ب”عيوب” في النظام التعليمي مضيفة انه “مع سقوط التعليم في المغرب يتوجب إجراء علاج استثنائي لسلك المعلمين”.

ومنذ الاستقلال شهد المغرب تعديلات جذرية في مجال التعليم لينتقل من نظام اعتماد اللغتين الفرنسية والعربية إلى التعريب الكامل للتعليم في نهاية السبعينات قبل التشجيع مؤخرا من جديد على تعلم اللغات الأجنبية.

ويخصص المغرب الذي يعد حوالى سبعة ملايين تلميذ و170 ألف استاذ ميزانية بقيمة 31 مليار درهم (72 مليار يورو) للتعليم خلال العام 2008 ما يمثل 26% من ميزانية الدولة.

وان كان التعليم في المدارس حتى سن الحادية عشرة تحقق بشكل شبه كامل فان الأمر يصبح أكثر تعقيدا بعد ذلك فمن بين مئة تلميذ في الصفوف الابتدائية لا يواصل منهم سوى 13 فقط الدراسة حتى الحصول على شهادة الباكالوريا عشرة منهم يعيدون الصف مرة على الأقل.

ويثير هذا الموضوع جدلا في المغرب حيث تطاول الأمية حوالى 40% من السكان وحذرت صحف عديدة من الامر موجهة الاتهام إلى نظام مدرسي لا يتفق مع متطلبات الاقتصاد الحديث.

كما يجرى التنديد باستمرار بتهالك البنى التحتية مع اعتبار تسعة ألاف قاعة صف غير صحية ولا سيما في المناطق الريفية حيث لا يصل التيار الكهربائي الى 60% من المدارس وتفتقر 75% منها إلى مياه الشرب وأكثر من 80% منها ليس بها مرافق صحية.

وقال محمد صافي مدير المركز الوطني للتقييم والامتحانات لوكالة فرانس برس “إن إعادة هيكلة النظام المدرسي ضرورة ملحة ولا يمكننا تجاهل هذا الأمر”. لكنه لم يحدد الخطوط العريضة لهذا الإصلاح ولا مهلة تنف